العيني

155

عمدة القاري

بحصول الشفاء ، كتناول الميتة في المخصمة ، والخمر عند العطش ، وإساغة اللقمة ، وإنما لا يباح ما لا يستيقن حصول الشفاء به . وقال ابن حزم : صح يقيناً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي من السقم الذي كان أصابه ، وأنهم صحت أجسامهم بذلك ، والتداوي منزلة ضرورة . وقد قال عز وجل : * ( إلاَّ ما اضطررتم إليه ) * ( الأنعام : 119 ) فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب . وقال شمس الأئمة : حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه ، قد رواه قتادة عنه أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل . ولم يذكر الأبوال ، وإنما ذكره في رواية حميد الطويل عنه ، والحديث حكاية حال ، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة سقط الاحتجاج به ، ثم نقول : خصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه ولا يوجد مثله في زماننا ، وهو كما خص الزبير ، رضي الله تعالى عنه ، بلبس الحرير لحكة كانت به ، أو للقمل ، فإنه كان كثير القمل ، أو لأنهم كانوا كفاراً في علم الله تعالى ورسوله ، عليه السلام ، علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة ، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس . انتهى . فإن قلت : هل لأبوال الإبل تأثير في الاستشفاء حتى أمرهم صلى الله عليه وسلم بذلك ؟ قلت : قد كانت إبله صلى الله عليه وسلم ترعى الشيح والقيصوم ، وأبوال الإبل التي ترعى ذلك وألبانها تدخل في علاج نوع من أنواع الاستشفاء ، فإذا كان كذلك كان الأمر في هذا أنه ، عليه الصلاة والسلام ، عرف من طريق الوحي كون هذه للشفاء ، وعرف أيضا مرضهم الذي تزيله هذه الأبوال ، فأمرهم لذلك ، ولا يوجد هذا في زماننا ، حتى إذا فرضنا أن أحداً عرف مرض شخص بقوة العلم ، وعرف أنه لا يزيله إلاَّ بتناول المحرم ، يباح له حينئذ أن يتناوله ، كما يباح شرب الخمر عند العطش الشديد ، وتناول الميتة عند المخمصة ، وأيضا التمسك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ) . أولى لأنه ظاهر في تناول جميع الأبوال ، فيجب اجتنابها لهذا الوعيد ، والحديث رواه أبو هريرة وصححه ابن خزيمة وغيره مرفوعاً . ومن الاحكام نظر الإمام في مصالح قدوم القبائل والغرباء إليه ، وأمره لهم بما يناسب حالهم وإصلاح أبدانهم . ومنها : جواز التطبب وطب كل جسد بما اعتاده ، ولهذا أفرد البخاري باباً لهذا الحديث وترجم عليه : الدواء بأبوال الإبل وألبانها . ومنها : ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء ، فإنه صلى الله عليه وسلم بعث في طلبهم لما بلغه فعلهم بالرعاء ، واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار ، فنفاه أبو حنيفة ، وأثبته مالك والشافعي . ومنها : شرعية المماثلة في القصاص . ومنها : جواز عقوبة المحاربين ، وهو موافق لقوله تعالى : * ( انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . . ) * ( المائدة : 33 ) الآية ، وهل كلمة : أو ، فيها للتخيير أو للتنويع قولان . ومنها : قتل المرتد من غير استتابة ، وفي كونها واجبة أو مستحبة خلاف مشهور ، وقيل : هؤلاء حاربوا ، والمرتد إذا حارب لا يستناب لأنه يجب قتله ، فلا معنى للاستتابة . الأسئلة والأجوبة الأول : لو كانت أبوال الإبل محرمة الشرب لما جاز التداوي بها لما روى أبو داود من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها : ( إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ) . وأجيب : بأنه محمول على حالة الاختيار ، وأما حالة الاضطرار فلا يكون حراماً : كالميتة للمضطر ، كما ذكرنا . وقال ابن حزم : هذا حديث باطل ، لأن في مسنده سليمان الشيباني وهو مجهول . قلت : أخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) وصححه ، قال : حدثنا أحمد بن المثنى ، قال : أخبرنا أبو خيثمة ، قال : حدثنا جرير عن الشيباني عن حسان بن المخارق قال : ( قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها : اشتكت ابنة لي ، فنبذت لها في كوز ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي فقال : ما هذا ؟ فقلت : اشتكت ابنتي فنبذنا لها هذا : فقال ، عليه الصلاة والسلام : إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام ) . وقول ابن حزم : أن في سنده سلمان وهم ، وإنما هو : سليمان ، بزيادة الياء آخر الحروف ، وهو أحد الثقات ، أخرج عنه البخاري ومسلم في ( صحيحيهما ) فإن قلت : يرد عليه قوله ، عليه الصلاة والسلام في الخمر : إنها ليست بدواء وإنها داء ، في جواب من سأل عن التداوي بها . قلت : هذا روي عن سويد بن طارق : ( أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه ، ثم سأله فنهاه ، فقال يا نبي الله : إنها دواء ! فقال : لا ، ولكنها داء ) . وأجاب ابن حزم عن ذلك فقال : لا حجة فيه ، لأن في سنده : سماك بن حرب ، وهو يقبل التلقين ، شهد عليه بذلك شعبة وغيره ، ولو صح لم يكن فيه حجة ، لأن فيه : أن الخمر ليس بدواء ، ولا خلاف بيننا في أنها ليس بداوء فلا يحل تناوله ، وقد أجاب بعضهم بأن ذلك خاص بالخمر ، ويلتحق بها غيرها من المسكرات . قلت : فيه نظر ، لأن دعوى